https://alwafd.news/images/news/c0a40348691d22a387cc0cff1359a23b.jpg
د. هانى سرى الدين

د. هانى سرى الدين يكتب: قضية الاستقلال الوطنى مسيرة مستمرة

ثوابت الوفد قيم تتجدد كل عصر (1-6)

ولدت ثورة 1919 من رحم نضوج شعبى عظيم خلص إلى أن مصر للمصريين وحدهم وأن تحريرها من أى احتلال تحت أى لافتة استعمارية، أو دينية، أو عرقية جزء لا يتجزأ من عقيدة المصريين التى لا تنازعها عقيدة.

لقد كانت فكرة الوطنية قبل الثورة قائمة على طرد الاحتلال البريطاني، لكن مع عودة مصر للخلافة العثمانية التى سامتها قهرا وبؤسا، وحتى الزعيم مصطفى كامل والحزب الوطنى القديم لم يتجاوز طرحهم ذلك المنحى.

طرح لطفى السيد المعنى مبكرا عندما أطلق مقولته «مصر للمصريين»، وحوّلت ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول تلك المقولة إلى واقع عملي، إذ طالبت بالاستقلال التام، وثارت من أجله، وقادت جموع الشعب لتحقيق ذلك الاستقلال، وصدر أول تصريح رسمى بريطانى يعترف باستقلال مصر، وخرج 40 ألف موظف بريطانى كانوا يديرون وزارات ومرافق وهيئات مصرية، ثُم توالى كفاح المصريين لتنص معاهدة 1936 على استقلال مصر ويتم إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة. وكان الأهم من ذلك كله إرساء المبدأ الحاكم لعقيدة الوطنية المصرية وهو الاستقلال التام.

ولم يكن مفهوم الاستقلال يكتفى بجلاء المستعمر، وإنما بالخروج الكامل عن

سيطرته الاقتصادية على المأكل والملبس والتوظيف والثروات والأرباح، وبنزع الحرية لقناة السويس تماما لتصبح لمصر وحدها الحق فى إدارتها، بعدم تسخير أراضٍ وطرق وإمكانات البلاد للآخرين بعيدا عن إرادة أهل البلد أنفسهم.

وهكذا كان الاستقلال التام فكرة جامعة يسير تحت لوائها المصريون جميعا من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، بمختلف فئاتهم، وألوانهم، وطبقاتهم، وطوائفهم، وفى سبيل ذلك دفع الآلاف أرواحهم ثمنا لقضية الاستقلال.

 جاهد الزعماء والأبطال وأوذوا ونفوا وسجنوا واضطهدوا وشُهر بهم وتعرضوا للتشريد والحرمان من العمل، والتلفيق وربما الموت من أجل تحقيق استقلال مصر حتى حازته البلاد رسميا وفعليا وخرج المحتل وهو يجر أذيال خزيه بعد سبعة عقود من القهر.

والآن وبعد قرن من الزمان نرنو إلى 1919 الثورة العظيمة، بوتقة المبادئ الوطنية، وحقل ميلاد فكرة الاستقلال لنستشعر كيف عاش ذلك المبدأ الوطنى فى نفوس المصريين سنين وعقودا دون أن يمس أو يقبل أحد بالتفريط فيه.

 إننا نتصور الآن أنه رغم تعطل حركة الاستعمار، وتبدل سياسات الدول الكبرى، وتغير أنماط الهيمنة والتأثير فى العالم، ورغم التستر خلف رايات براقة، واستخدام وسائل تأثير أشد مكرا وأكثر إغراء، إلا أنه ما زالت هناك قوى كبرى تصر على فرض إرادتها وبسط  سيطرتها والتدخل فى شئون الدول الأخرى. هناك استعمار ناعم، مُستتر، يحاول توجيه العالم لكل ما يخدم مصالحه أولا.

من هنا، يتجدد فى أذهان المصريين جميعا مبدأ الاستقلال الوطني، ليس باعتباره رفضا للاحتلال الأجنبى فقط، وإنما باعتباره استقلالا كاملا وحقيقيا للقرار السياسى والاقتصادى والاستراتيجي. فليس من حق دولة، مهما كانت أن تفرض إرادتها على القرار المصري، ليس من حقها أن توجهها يمينا أو يسارا، وليس من حق أحد غير مصرى أن يوجه سياسة مصر بعيدا عن مصالح شعبها، وبالطبع ليس من حق أى كيان أجنبى أو دولى أن يتدخل فى شئون المصريين تحت أى لافتة كانت سواء حقوقية أو اقتصادية أو دينية أو غير ذلك.

الاستقلال عكس الخضوع، مضاد الخنوع، ونبع الكرامة والعزة والشرف. أن تكون مصر مستقلة يعنى أن تملك قراراتها الاقتصادية، تصوراتها الثقافية، ورؤاها الاجتماعية، أن تُخطط لمستقبلها وفق رؤى أبنائها، ترسم خطواتها انطلاقا من إرادة ورغبة المصريين وحدهم.

إن مقولة مصر للمصريين تعنى أن القرار المصرى هو شأن يخص المصريين وحدهم وهذا ما يؤكده تاريخ كفاح شعب مصر، وتاريخ حزب الوفد العريق.

وسلامٌ على الأمة المصرية.