https://t1.hespress.com/files/2018/10/DrChahchi_937766450.jpg

الانتخابات في عهد الحسن الثاني

by

في محاضرة ألقاها وهو ولي للعهد بالمعمورة تحت عنوان "التطلعات الوطنية والدولية لمغرب الاستقلال وشبابه"، بتاريخ فاتح يوليوز 1957، اعتبر الملك الراحل الحسن الثاني "الانتخابات" مجرد مقياس للتعرف على نضج المغرب السياسي داخليا، فعن طريقها سيجتاز البلد امتحانا إزاء نفسه بخصوص اتجاهه السياسي وإزاء الخـارج، إذ ستعرف الـدول هـل وصل إلى حـد مـن التطور ومـن الرقي يجعلـه يسير أمـوره بنفسه أم لا.

وعليه فإن الحسن الثاني لم يعتبر الانتخابات آلية للوصول إلى الحكم، ولكن مجرد مقياس للتعرف على نضج الشعب من عدمه أولا، وواجهة ديمقراطية للخارج ثانيا، بحيث يقول الملك الراحل في ما يخص الانتخابات والديمقراطية "يمكن أن تتحقق هذه بدون الأخرى..." بمعنى أنه يمكن تحقيق الديمقراطية بدون انتخابات.

وهنا تساءل الملك الراحل عن الجدوى من الانتخابات بالمغرب قائلا: "الانتخابات التي ستجري في المغرب لماذا نريد تحقيقها؟"، ورد مجيبا بأن "ذلك ما هو إلا رغبة ملكية لمحمد الخامس، لأن جلالة الملك كان دائما وأبدا يهدف إلى الديمقراطية في البلاد وعلى أساس الانتخابات"، التي تعد مدرسة لجميع التيارات السياسية، "فالانتخابات ليست وسيلة لمعركة أو لإظهار قوة على قوة أو لعرض نظرية ضد نظرية أخرى...ولكن هي بمثابة مدرسة للجميع".

والانتخابات بالنسبة للملك هي كذلك آلية لدوران النخب بهدف تجديد دواليب إدارة الشأن العام، قائلا: "إن الانتخاب بالنسبة لي هي قبل كل شيء إمكانية إنعاش وتجديد إطارات الدولة، واكتشاف من سيعوضونها".

وانطلاقا دائما من منظور الحسن الثاني للانتخابات فهو يرى أنها تقوي الدولة وتعبر عن درجة النضج السياسي للشعب، معتبرا أن "ما ينتظره منا المغرب الجديد الذي يولد وينشأ تحت نظرنا ونرعاه...كامل العناية والاهتمام بالانتخابات...التي نعمل جاهدين على أن تجسد نتائجها واقع الرأي العام على حقيقته...".

والملك الراحل كان يريد أن تكون الانتخابات أداة لقياس اتجاه الرأي العام المغربي لاتخاذ قراراته على ضوئها، لذا حرص على أن تكون حرة نزيهة، وعليه يقول: "سنبقى...ساهرين على أن تكون الانتخابات حرة نزيهة طبقا لما تقتضيه قواعد الديمقراطية الحقة، وإن عملنا لا ينحصر في القيام بدور "الحكم" الساهر على احترام قواعد التنافس السياسي، بل يتجاوزه إلى دور الموجه المباشر للعمل والبناء".

لهذا فإن الملك كرر مرارا إعرابه عن كونه الساهر على نزاهة الانتخابات، وإرادته أن تمر في شفافية كاملة بعيدا عن أي شبهة أو لبس...لكنه استطرد قائلا إنه "لا مفر من أن يترتب عن الصراعات الحزبية، وهي مشروعة في أي نظام ديمقراطي تعددي، جو اجتماعي تعلو سماءه أحيانا ظلال قاتمة"، وزاد: "نحن نسعى إلى ألا تحجب عنا تلك الظلال الصورة الحقيقية أو الأقرب إلى واقع شعبنا، وألا تبرز هذه الصورة بجلاء ووضوح إلا من خلال انتخابات حرة نزيهة تحظى بالمصداقية. ونعلم أن هذه هي رغبة الجميع وأن هذه النتيجة ستساعد كل واحد على معرفة الرتبة التي يتبوؤها في الحياة الوطنية، وأن يقيس بالتالي بقياس دقيق سلوكه السياسي على ضوئها".

وتوصل الملك عبر قراءته لنتائج الانتخابات إلى أن هناك "عزوفا سياسيا" عن المشاركة في الانتخابات، سواء كانت جماعية أو برلمانية، وعليه سيتدخل ليوجه نداء للشعب المغربي قصد حثه على المشاركة فيها، لأن "الأغلبية الصامتة" هي ما يربك حسابات الحكام، إذ لا يمكن التعرف على الاتجاه الحقيقي والفعلي للرأي العام، لذا يقول الحسن الثاني: "نزهت نفسي دائما عن التدخل، بل منعت نفسي من التدخل في هذه الحملات الانتخابية، لأن الملك فوق الجميع...فتدخلي اليوم تدخل نزيه، بل وطني لأقول لك شعبي العزيز شارك ثم شارك... أوصيك وأطلب منك المشاركة لأن المشاركة أصبحت في عصرنا هذا دليلا ومقياسا للنضج السياسي وللفهم السياسي...".

ولرفع أي التباس أو تأويل للدعوة الملكية فإن الحسن الثاني يضيف قائلا: "أريد أن أضع النقط على الحروف فأقول... إنني سمعت أن البعض يروج...أنه سمع من "سيدنا" أنه يشجع فلان أو يشجع جماعة على التحرك نحو هذه الجهة أو التحرك نحو الجهة الأخرى في ما يخص الانتماء وفي ما يخص الانتخابات... إن التدخل في الانتخابات جعلته محرما على نفسي وحرمته على الحكومة والإدارة...".

وإذا كان الملك نفسه حرم على نفسه وعلى حكومته وإدارته التدخل في الانتخابات فإنه بالمثل يريد من الناخبين والمنتخبين أن يلتزموا هذه الفضيلة، إذ سيشير إلى ذلك مذكرا بخطابه السابق الذي قال فيه قياسا على قوله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا"، اقتداء بهذه الصيغة، "إني حرمت الغش على نفسي وجعلته محرما بينكم، فحرام عليكم أن تحاولوا الغش...".

إن دعوة الحسن الثاني المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات وبكثرة لم تنفك تنقطع، إذ سيشبه القيام بهذا الواجب بالقيام بالجهاد الأكبر، واصفا المستنكفين عن ذلك بـ"الخوالف"، قائلا: "لا تكونوا من الذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: "رضوا بأن يكونوا مع الخوالف". ومعنى الخوالف المتخلفون عن الجهاد، وهذا الاقتراع هو النوع الحقيقي من الجهاد الأكبر... فالجهاد الأكبر لا يرضى بالخوالف ولا أرضى لك شعبي العزيز أن تكون من الخوالف".

والحقيقة أن الحسن الثاني كان سنة 1993 يعد لمشروع التناوب الذي يعد دستور 1992 مفتاحه، وما هذه الانتخابات إلا مقياس لاتجاهات الرأي العام الوطني التي كان يريدها الملك واضحة، حتى تكون الخطوات سليمة والنتائج والأهداف مضمونة، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بناء على معطيات موثوق من صحتها. لهذا شكلت الانتخابات بالنسبة للملك مؤشرا قويا لإقدامه على الدخول في تجربة التناوب، حيث يقول: "ومما يستخلص من هذه الانتخابات...أنك بقيت تلك الأمة الوسط، فحينما نرى النتائج نرى أن هناك كفتين يمكن التعامل بجد مع كل منهما. ومما لا شك فيه أنه حينما يأتي الأوان وحينما ينتهي انتخاب الثلث الأخير من البرلمان سأستخلص العبرة والنتيجة...وسأحاول أن أجد الوسيلة المثلى للسير بك في طريق التقدم...فعلينا جميعا إذن أن نتزن ونزن مواقفنا وننظر إلى المستقبل بتفاؤل".

*أستاذ التعليم العالي - كلية الحقوق – جامعة الحسن الأول بسطات