https://i.alarab.co.uk/styles/article_image_800x450_scale/s3/2020-05/fhj.jpg?Gy6MqrzxxOXtaqW2EKw7ctIsVEwfcHda&itok=gDuP1L0h
هل يوجد قطيعة بين السلطة و"التيار النوفمبري الباديسي"

السلطات الجزائرية تقصقص أجنحة التيار المحافظ المتحالف معها

استهداف جدارية فنية يميط اللثام عن صراع أيديولوجي عميق في الجزائر.

by

الجزائر - شرعت السلطات الجزائرية في الحد من سيطرة التيار المحافظ المحسوب عليها، والذي استخدمته في شيطنة الحراك الشعبي وتصويره على أنه حركة متنطعة تتعارض مع الدين، كما استخدمه الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة والمحيطون به في مواجهة خصومهم، في الوقت الذي يتحرك فيه التيار الفرنكفوني لمواجهة صعود التيار المحافظ ومحاولته استهداف مكاسب الأمازيغ.

وأطلق ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي حملة تضامن واسعة مع الشاب فيصل قفاز، الذي أوقفته مصالح الأمن في العاصمة الجزائرية، غداة قيامه رفقة شبان آخرين بطمس جدارية فنية في ضاحية القصبة العريقة بالعاصمة الجزائرية، على خلفية ما اعتبره هؤلاء “دعاية للأفكار الماسونية”.

ورغم أنه تم إطلاق سراح الشاب الثلاثاء، إلا أن الجدل بشأن اعتقاله وموقف السلطات ما زال مستمرا، فهل ستحمي أنصارها، أم ستقف ضد أنشطتهم؟

وذكرت صفحة “درع قوات الجزائر”، على شبكة فيسبوك، أن “ما قام به فيصل قفاز، أزعج التيار الفرنكفوني العميل لفرنسا، ولذلك يتم تجنيد الإعلام لإدانة فعل الطمس، الذي عبر عن غيرة أبناء الجزائر على الثوابت الدينية والحضارية لبلادهم وشعبهم”.

ونسب نشطاء آخرون خلفية قرار التوقيف إلى ما أسموه بـ “تغلغل التيار الديمقراطي العلماني في مفاصل الدولة، وتأثيره في القرار السياسي، وإلى الدولة العميقة التي ما زالت جيوبها فاعلة، رغم الإطاحة برؤوسها من طرف السلطة الجديدة”، في إشارة إلى منظومة جهاز الاستخبارات والموالين لنظام بوتفليقة.

ويبدو أن القطيعة قد وقعت بين السلطة الجديدة بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، وبين ما يعرف بـ”التيار النوفمبري الباديسي” المحافظ، بعد انقلاب غير معلن من تبون على التيار الذي سانده في انتخابات الثاني عشر من ديسمبر الماضي، التي أفرزته رئيسا للبلاد.

وبدأت بوادر القطيعة بين السلطة وذراعها الشعبي والدعائي، غداة موجة غضب اعترت نشطاء بارزين في التيار المذكور، على غرار الإعلامي والناشط نورالدين ختال، الذي وجه في تسجيل له تهم الخيانة والانقلاب للرئيس تبون، بعد تضمن مسودة الدستور المعروضة للنقاش مقترح “جعل بند المكون الأمازيغي في الهوية الوطنية بندا غير قابل للمراجعة أو التعديل”.

ويبدو أن التيار المعادي للبعد الأمازيغي في الهوية الجزائرية، الذي تدعّم بشكل واضح منذ انفراد القائد الراحل لأركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح، بالقرار السياسي في البلاد خلال حقبة الفراغ المؤسساتي بعد تنحية بوتفليقة في أبريل 2019، لم يعد مطمئنا لمسار التطورات السياسية الأخيرة، ولرسائل الغزل التي يطلقها إلى الأمازيغ الرئيس تبون من حين لآخر، على غرار المقترح الدستوري وقانون تجريم خطاب الكراهية، وأخيرا توقيف الشاب فيصل قفاز.

https://i.alarab.co.uk/s3fs-public/inline-images/erty1_1.jpg?3Nf_m9l7MI9GVtHZCcgSJS3ZcXW.bsg4
الجدارية المطموسة (صورة من مواقع التواصل)

وأعادت حادثة طمس الجدارية الفنية في العاصمة إلى الأذهان سيناريو التخريب الذي تعرض له تمثال “عين الفوارة” بمدينة سطيف في شرق البلاد عام 2017، ولئن ارتبط الأول بأبعاد ثقافية وحضارية، فإن الأبعاد السياسية والأيديولوجية في حادثة جدارية العاصمة كشفت عن أزمة عميقة في الشارع الجزائري، بإمكانها الدفع بحلف السلطة الجديدة والتيار الباديسي النوفمبري إلى المراجعة، في ظل موجة الغضب والانتقاد المتصاعدة ضد منظومة عبدالمجيد تبون.

وأبانت تسجيلات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، عن إمكانيات انزلاق اجتماعي بسبب التهديدات والتطرف الذي ظهر في خطاب ناشطين مناهضين للمكون الأمازيغي، استغلوا قرار توقيف الشاب فيصل قفاز، لإعادة مفردات خطيرة استعملت على نطاق واسع في دوائر موالية للسلطة، على غرار “الشرذمة” و”الأقلية” “والموالين لفرنسا”، في إشارة إلى رموز التيار الأمازيغي التي تقود ثورة الحراك الشعبي منذ عام 2019.

وتقوم عقيدة التيار الباديسي النوفمبري على المزج بين الطابع الديني والمرجعي المحافظ، وبين دعم المؤسسة العسكرية والسلطة في معركتها مع الحراك الشعبي، وظلت إلى غاية انتخاب تبون رئيسا للبلاد تشكل السند السياسي والشعبي للسلطة، إلا أن التطورات الأخيرة أبانت عن بوادر قطيعة أو نهاية مهمة لتيار كان يطمح للتطور إلى أحزاب سياسية وتنظيمات جديدة، على غرار حركتَيْ “حزم” و”عزم”، وغيرهما.

وفيما برر المتعاطفون مع الشاب، الذي تم إيقافه ثم إطلاق سراحه لاحقا، طمس الجدارية بـ”الرسومات والرموز الماسونية وطلاسم المثلية الجنسية، المسيئة لذوق الجمهور والسكان كونها كانت منصوبة في ملعب رياضي جواري، وتنافيها مع القيم الدينية والحضارية العربية الإسلامية للمجتمع الجزائري”، اضطرت الحكومة إلى تقديم توضيحات بشأن الحادثة.

وذكر كاتب الدولة المكلف بالإنتاج الثقافي سليم دادة، أن “الرسوم على الجدارية تمت بطريقة قانونية وتعود للعام 2012، وقد استغرق إعدادها حوالي عامين، وأن إنجاز جدارية وتزيين وترميم ساحة بن بولعيد، وبعض الأماكن في شارع بن مهيدي في الجزائر الوسطى، هو مشروع جماعي مدني يتمتع بكل التراخيص اللازمة والمتابعة المؤسساتية من قبل وزارة الثقافة والبلدية”.

وعرفت العاصمة وكبريات المدن الجزائرية عودة لافتة للجداريات وفن الغرافيتي منذ بداية أحداث الحراك الشعبي، حيث قام العديد من الشباب الفنانين المتطوعين، بإنجاز أعمال فنية وإبداعية جمعت بين الفن والرسائل السياسية في مختلف الأحياء والساحات، مما أضفى عليها مسحة من الجمال، قبل أن تتحول إلى مصدر جدل أيديولوجي ونزاعات إثنية بين مكونات المجتمع.