https://i.alarab.co.uk/styles/article_image_800x450_scale/s3/2020-05/kademi.jpg?lZatomjCHzjLSNnuDpY5z2xIuBCzfWQk&itok=iIU6yjmt
الكاظمي أمام اختبار جديد لسيادة القانون

"أم.بي.سي عراق" والقنبلة الدخانية لوزارة الكاظمي

هل سيتمكن الكاظمي، الذي أصبح من"ولد الشايب"، منذ التقى قادة الميليشيات ووضع على كتفه صورة قاسم سليماني، المثبتة على بدلة الميليشيات، التي ارتداها، أن يقول للميليشيات: على عينك حاجب؟

by

عندما نشرت مقالتي السابقة عن زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى هيئة الحشد الشعبي ولقائه قادة الميليشيات، اتصل بي صديق عزيز ليقول لي إن شيئا مهما فاتني ولم أذكره في المقال، وهو إذا كان كلام الكاظمي المعلن هو المبايعة المطلقة للحشد، فالاحتمال الأعظم أن المخبّأ الذي لم يبث، هو أكثر سوءا ورعبا وإجراما.

وجاء الاعتداء على قناة “أم.بي.سي عراق” بعد اقتحامها وتحطيم معداتها وترويع منتسبيها ليضع الكاظمي أمام اختبار جديد لسيادة القانون، ويجبره إن كان من الصادقين، على معاقبة من سماهم “قرة عين العراق” على هذا العدوان السافر.

لكن الوقائع كلها تشير إلى أن الكاظمي لن يفعل شيئا لمعاقبة الجناة وأنه سيكتفي بالقنبلة الدخانية، التي أطلقتها وزارة داخليته في رفض عملية اقتحام مقر القناة والوعد بأنها ستعاقب الجناة، ومحاولة إلقاء المسؤولية على الحراك الشبابي. فقد جاءت في بيان الوزارة، عبارة ماكرة تقول “في الوقت الذي نؤكد ضمان حق الاحتجاج السلمي بالطرق المشروعة، فإننا نرفض أيّ اعتداء أو سلوك خارج القانون بحق وسائل الإعلام أو ممتلكات خاصة وعامة، وسيتم التعامل معه وفق القوانين النافذة”.

وليس عجزا من الكاظمي أنه لن يعاقب جانيا واحدا، ولكنه جزء من نظام المحاصصات والفساد والخراب، ولا يمكن إلّا أن يحرس هذا النظام وفرسانه، كما تحرس الميليشيات كرسيه.

إن اقتحام مكتب القناة في العاصمة العراقية بغداد وتحطيم أجهزة البث، هو نسخة من عمليات مماثلة نفذها الحرس الثوري الإيراني بدأت باحتلال السفارة الأميركية في طهران، التي استمرت 444 يوما (من 4 نوفمبر 1979 حتى 20 يناير 1981) واحتجز 52 أميركيا من موظفي السفارة كرهائن، ثم تكررت نسخها في العراق، فلو قلّبنا صفحات مجلس الحكم الانتقالي لوجدنا على رأس قراراته طرد الكثير من الوكالات الإخبارية، ووصل الأمر إلى اغتيال العاملين في بعضها لمجرد أنها ذكرت النفوذ الإيراني في العراق، وتكررت هذه المشاهد في وقت سابق، باقتحام سفارات وقنوات أجنبية وعربية ومؤسسات إعلامية محلية، دون إنهاء هذه الممارسات أو اتخاذ إجراء حكومي بصددها.

إن المعركة مع وسائل الإعلام مفتوحة في العراق، منذ اللحظة الأولى للتاسع من أبريل 2003، فالعاملون في الإعلام من الشهداء الذين سقطوا ببنادق ولاية الفقيه، يشكلون صفا طويلا من الضحايا، والشعار الذي رفعه مستوطنو المنطقة الخضراء، منذ 17 عاما والذي جرى تأكيده، هو أن إيران خط أحمر وتاج الرأس.

أما في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي فحدث ولا حرج عن الضحايا، وفي مقدمتهم الإعلاميون.

https://i.alarab.co.uk/s3fs-public/inline-images/iraq_35.jpg?vnGO2yqv7VX6m5LfoU5UoT7IJ1OUXAYh
المعركة مع وسائل الإعلام مفتوحة في العراق

في تفاصيل النسخة الأخيرة من الاعتداء على الإعلاميين ووسائل الإعلام، أن العشرات من العناصر الموالية لميليشيا الحشد وحزب الدعوة، والذين أطلقوا على أنفسهم “ولد الشايب”، إشارة إلى أبومهدي المهندس، نظموا وقفة احتجاجية أمام مكتب قناة “أم.بي.سي عراق” في بغداد، قبل أن يقتحموه ويحطموا أجهزة البث، احتجاجا، كما زعموا، على تقرير عرضته مجموعة أم.بي.سي، تناول أحداث تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، والذي راحت ضحيته زوجة الشاعر السوري نزار قباني العراقية بلقيس الراوي، وأشار تقرير القناة إلى دور حزب الدعوة وأبومهدي المهندس في العملية.

وتحصل هذه الممارسات وسط وجود الكاظمي على رأس السلطة التنفيذية، وهو الذي شدد على “سيادة القانون” واحترام حرية الصحافة، الذي احتواه برنامجه الحكومي وهو ما جعل العراقيين يسخرون مما حصل ويقولون مشيرين إلى الكاظمي “هذا الميدان يا حميدان، فمتى ترد؟”.

يتعين علينا ألّا نغفل أن هناك أربع قواعد أساسية تحكم تصرفات “الولائيين” وممارساتهم في العراق. الأولى هي أن أحزاب الدين السياسي وميليشياته تعد أن حرية الرأي الوحيدة هي التي تبدأ من داخل المستوطنة الخضراء وتقف عندها. والثانية هي تحريم المساس بالمرجعية الإيرانية واعتبار خامنئي كائنا إلهيا. والثالثة أن ولاية الفقيه تعتبر بلد الإسلام وما سواها من دول هي دار حرب. أما القاعدة الرابعة والأخيرة، فهي أن دولة الميليشيات في العراق تنطلق من الإيمان المطلق بقداسة بلاد فارس وتعدّ عموم الدول العربية، وخاصة دول الخليج العربي وتحديدا السعودية، خصما لها تتعين محاربته انتصارا للولي المرشد.

أما بيان داخلية الكاظمي فلم يكن أكثر من قنبلة دخان الغاية منه التنويم والتضليل والديكور الدبلوماسي، أو إسقاط فرض.

إن الأحزاب الولائية لا تضرب الاقتصاد العراقي في الصميم عبر نهبها المعروف للثروات، بل تضربه أيضا عبر ممارسات ميليشياتها، التي يضطر العراق، راضخا، إلى تعويض الأضرار الناجمة عنها، لأن المؤسسات الإعلامية تعمل وفقا للوائح البث الحكومي وتعد هيئة الإعلام والاتصالات هي المسؤولة عن مراقبة مخالفاتها، لكن أن تقتحمها مجموعة من الناس وبهذه الصفة فذلك يعد عملا إرهابيا، بل إن الخبير القانوني أمير الدعمي يقول ذلك صراحة، ويعتبر الاعتداء على المؤسسات الإعلامية ضمن الاعتداء على المال العام والممتلكات الخاصة، وتسري عليه فقرات قانون العقوبات العراقي، بحسب نوع الضرر، وقد تصل إلى المؤبد.

وبهذا فإن الوضع القانوني لمقتحمي المؤسسات الإعلامية ينطبق عليه قانون مكافحة الإرهاب، فاقتحام المؤسسات وبث الرعب في نفوس العاملين والاعتداء على الممتلكات وما قد تفضي إليه من إزهاق للأرواح أو إلحاق الأذى بالعاملين، يندرج ضمن العمليات الإرهابية، ولا فرق بينه وبين ما تقترفه الجماعات الإرهابية من اقتحام المنازل والاعتداء على ساكنيها ومصادرة أموالهم أو ممتلكاتهم.

فهل سيتمكن الكاظمي، الذي أصبح من “ولد الشايب”، منذ التقى قادة الميليشيات ووضع على كتفه صورة الإرهابي الإيراني قاسم سليماني، المثبتة على بدلة الميليشيات، التي ارتداها، أن يقول للميليشيات: على عينك حاجب؟