رياض سلامة... "مفتاحُ" صندوقِ النقد

by

"ليبانون ديبايت" - ميشال نصر

خرجَ رياض سلامة من مؤتمره الأخير رابحًا بكلِّ المقاييس أقلّه على المدى القصير. فلا مُهاجموه تجرؤوا على الردّ عليه مكتفين بالانكفاء كلّ لحساباته، ولا مؤيدوه من محوره اضطروا الى خوض معركة كسر عظمٍ للدفاع عنه. هو الذي أجاد اللعب في ملعبه ووفقًا لوقته، فقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع لينام حاكمًا ذاك الخميس ويصحو حاكمًا خلافًا لكل التوقعات، بعدما كتبَ الأميركيون ما كتبوا بتصريح لا يتجاوز الكلمات العشر، حسمت مصيره وصحّحت بوصلة الخصوم. فالمطلوب رأسه رقم واحد تحوّل بين ليلةٍ وضحاها الى ضرورةٍ للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

داخليًا كسبَ حاكم مصرف لبنان معركته، بفضل دعم رئيس مجلس النواب نبيه بري له، الذي عارض موضوع إزاحته، فأسقط رغبة السّاعين الى إقالته في مجلس الوزراء، ما دفعَ بالأطراف كافةً الى إعادة تموضعها من جديد، وهو ما بدا جليًا انعكاسه في لفلفةِ موضوع الصرّافين وعلاقة الحاكم به.


أمّا النائب جبران باسيل الذي خاضَ معركة شعواء منذ اليوم الأول للثورة، متقاطعًا مع حزب الله، داعيًا لتحرير حاكمية مصرف لبنان من المسؤول الأول عمّا آلت اليه أوضاع البلد المالية بسبب هندساته المالية، سرعان ما غيّر بوصلة تحركهِ بعدما وجد نفسه في مواجهةٍ جديدة ٍمع الأميركيين، لن يخرج منها رابحًا، طالما أن ترددات رسالة واشنطن كانت واضحة في بيروت،كما أعلنها شينكر دون اي لبس، "سلامة تعاون معنا ضد حزب الله، لا يهمنا الاشخاص، أيًا يكن الحاكم الجديد لا بدّ له ولا مجال إلا بتعاونه معنا لإكمال ما بدأه سلامة".

عند هذا الحدّ أوقفَ العونيون هجومهم.

زِد الى ذلك أن أحد أبرز مرشحيهم، قد نقلَ بندقيته من كتفٍ الى كتف وأصبح مربطَ خيله السراي، حيث كان له الدور الأساس بوضعِ خطةِ الإنقاذ الاقتصادي والمالي، ما حشرَ التيار وجعل خَياره محصور في حال قرر خوض المعركة بحصان منصور بطيش، فقرر التريّث بانتظار ما ستؤول اليه الاوضاع، مكتفيًا بالضغط باتجاه تعيين نواب الحاكم ،لاستكمال تصفية الحساب مع بَيْك زغرتا.

من جهتهِ، حزب الله يمارسُ التقيّة في مسألة رياض سلامة،. فهو يرسل المتظاهرين من العناصرِ غير المنضبطة ويحرّضُ على أعمال الشَغب ضدّ المصرف المركزي داعيًا الى إسقاط حاكمهِ من فوق الطاولة، فيما لا يمارس أي ضغوطٍ جدية لترحيله. فالحاكم الذي اجتمع مراتٍ عديدة بالسيد حسن نصر الله في فترة الانتخابات الرئاسية عارضًا نفسه كمرشح رئاسي وسطي، لعب دورًا مسهلاً الى درجة كبيرة للحزب، رغم تعاونه مع الأميركيين غاضًا النظر عن عشرات العمليات المالية لصالح حارة حريك ومصالحها وحلفائها الإقليميين تحت أعين الأميركيين، ما جعلها مرتاحة في مواجهتها واستطاعت ان "تزمط" من موجة العقوبات المالية الاولى.

أمّا رئيس الحكومة حسان دياب، فتحوّل الى أشرس المطالبين برحيل الحاكم مع فريقه الاستشاري، آملاً في وصول أحد المقربين منه الى الحاكمية، ما لن يحصل بطبيعة الحال، إذ وجدَ في مواجهته النائب البتروني الذي أجهض له طبخته بباكيدج واحدة تأتي بحاكمٍ ونوابه.

أمّا خارجيًا، فقد لعبت علاقات الحاكم الدولية، فضلاً عن التسهيلات والتعاون مع الغرب والأميركيين خصوصًا دورًا اساسيًا في الحملة الدولية التي قامت دعمًا له. فبعيدًا عن التصريحات الأميركية العلنية، يُحكى عن نصائح أبداها مسؤولٌ دولي لرئيس الحكومة يدعوه فيها الى التعاون مع سلامة، لأن كلفة الخلاف معه ستنعكس سلبًا على الحكومة ورئيسها.

فلزّمَ أمر المصالحة بين الرجلين لرئيس مجلس النواب الذي استطاع أن يلعب دور الوسيط، مروجًا لبقاء سلامة على قاعدة مكرهًا أخاك لا بطل، فتغيير الحاكم حاليًا سيوقف ويعرقل المفاوضات مع صندوق النقد، كما الانقسام في الرأي والأرقام داخل الوفد اللبناني، علمًا أن سفير دولة كبرى نقل الى أحد زواره اللبنانيين أن صندوق النقد يميل الى تبني أرقام مصرف لبنان التي تحظى بمصداقية أكثر من تلك التي قدّمتها الحكومة.

هكذا قطعَ رياض سلامة شوطًا كبيرًا في معركة بقائهِ الى حين يقرر الرحيل بنفسه، بالتأكيد الى البيت وليس الى بعبدا، مردّدًا أن الظروف تفرض حاليًا بقاءه لأن اي حاكم آخر بحاجة الى مدّة زمنية لا تقلّ عن ستة أشهرٍ للإمساك بالملفات، في وقت لا نملك ترف الوقت.

كل ذلك يبقى صحيحًا في ظلِّ التوازنات الحالية. لكن ماذا لو انكسر ميزان الذهب المتحكّم باللعبة؟ وماذا لو قرر أحد الاطراف إزاحة الحاكم بطريقة غير تقليدية؟ وهل سيسكت العالم عن هكذا خطوة، خصوصًا أن الإسمَين المطروحَين جديًا يشكلان نقزة عند الاميركيين والغرب؟ وهل ينجح دعم بري - باسيل غير المباشر للحاكم في تأمين مظلة أمان له؟

قد يكون أفضل حلّ في ملف رياض سلامة، بعدما ثبت أنه رقم صعب في المعادلة استدعائه الى بعبدا وتسليمه كامل الملف المالي لاتخاذ المقتضى على أن يتحمل كامل مسؤولية ما قد يحصل. فهل يقدم الرئيس عون فينقذ ما تبقى؟