https://www.alaraby.co.uk/File/GetImageCustom/70071cb5-02e3-4cc2-9d94-85d24c778e55/
يحرّض إعلام السيسي على الأطباء بسبب مطالبهم(أحمد حسن/فرانس برس)

إعلام نظام السيسي ينقلب على "الجيش الأبيض"

by

في الفيلم الكوميدي الساخر "السفارة في العمارة" للفنان المصري عادل إمام، يعود مهندس عاد من العمل في الخارج ليجد نفسه جارًا للسفارة الإسرائيلية في القاهرة، فيقود تظاهرات رافضة لوجودها ويهتف له الشعب والإعلام "شريف خيري رمز الصمود". ثم مع معاداة النظام والإعلام له، تتحول دفة الهتاف لـ"شريف خيري الخاين العميل". هذا الواقع السينمائي ينطبق على حال الأطباء المصريين حاليًا، الذين أطلق عليهم النظام المصري وآلته الإعلامية منذ بدء انتشار وباء كورونا، لقب "جيش مصر الأبيض"، لكن بعد احتجاجات الأطباء على وفاة عدد كبير منهم جراء الإصابة بالفيروس، وعدم وجود رعاية صحية ملائمة لمصابيهم، انقلب النظام والإعلام عليهم، وبدأ في اتهامهم بـ"التحريض ضد الدولة"، و"المخططات الإخوانية"، و"التخلي عن المصر"، وغيرها من الاتهامات.
تزامناً، على مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت حالة من الجدل بين فريق داعم لمطالب الأطباء بـ"تخصيص مستشفى عزل، وتوفير المستلزمات الوقائية للأطقم الطبية"، وفريق معارض لهم، خاصة بعد تلويح عدد من الأطباء بتقديم استقالات جماعية، إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم. وعلى الرغم من أن التلويح بتقديم استقالات جماعية ما هو إلا تصرف محدود لعدد من أطباء مستشفى المنيرة العام بالقاهرة، تعبيراً عن غضبهم من عدم تلقي زميلهم المتوفى بكورونا، وليد يحيى، الرعاية الطبية الكافية ما أدى لوفاته، وأن نقابة الأطباء المصرية ونقابيين بارزين من الأطباء عارضوا بشدة الضغط على الحكومة بتقديم استقالات جماعية أو الدعوة لإضراب عن العمل، إلا أن الإعلام المصري لا يزال يحرض على الأطباء، ومن خلفه اللجان الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن المادة 81 من اتفاقية معايير منظمة العمل الدولية، تنص على أنّه "يحق للعامل الانسحاب من مكان العمل إذا استشعر أن هناك خطرا داهما على صحته أو حياته.. ولا يجوز لصاحب العمل أو إدارته أمر العامل بالعودة لمكان العمل قبل إزالة الخطر، وتأمين مكان العمل، وتوفير كامل اشتراطات السلامة والصحة المهنيتين. كما لا يجوز تطبيق أي عقوبات أو حسومات من مستحقات العامل نتيجة موقفه هذا".
خلال 24 ساعة من تلويح الأطباء بالاستقالة، كانت تلك بعض عناوين الأخبار الرئيسية على عدد من المواقع الإخبارية في مصر. ونشرت صحيفة "الأهرام" القومية (الحكومية) تقريرًا بعنوان: "استقالة طبيب المنيرة.. الجماعة الإرهابية تصطاد في الماء العكر". ونشر موقع "اليوم السابع" الخاص، تقريرًا بعنوان "استقالتك شهادة خيانتك.. هاشتاج يثبت موقف الخيانة على الأطباء المستقيلين من الخدمة"، فيما نشر موقع صحيفة "المصري اليوم" الخاصة، تقريرًا بعنوان "أطباء: مطالب العاملين بالقطاع الصحي مشروعة لكن الاستقالة خيانة.. ومستشار وزيرة الصحة: وعي القيادة السياسية أنقذنا من وضع كارثي لكورونا"، وعنون موقع "صدى البلد" الخاص "خلية نايمة .. طبيب أزمة مستشفى المنيرة طلع إخوان .. القصة الكاملة"، فيما نشر موقع صحيفة "الوطن" الخاصة، تقريرًا بعنوان "مدير المنيرة العام: مفيش استقالة واحدة عندنا.. نحن أطباء نقدر الأزمة".

من جهته، قال المستشار الإعلامي لوزيرة التخطيط رامي جلال عامر، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع "فيسبوك": "هيصة مكتملة الأركان لأغراض معروفة، واثنان من زملاء الطبيب الراحل وليد يحيى رفضا متابعة حالته، وهو في الرعاية المركزة، وأطالب بالتحقيق معهما"، متابعاً: "هل هناك علاقة بين الهيصة الحالية، وبين عودة المقاول الهارب محمد علي على شاشات قناة الجزيرة للحديث في الموضوع نفسه؟ نعم هناك علاقة، ومن لا يراها هو أعمى!".
رئيس تحرير صحيفة "الدستور" محمد الباز، رأى أنّ "نقابة الأطباء تشعل نار الفتنة"، بعد ساعات من نشر الموقع الإلكتروني للصحيفة تقريراً تحت عنوان "هل كان المطلوب أن تترك وزارة الصحة رجاء الجداوي للموت حتى تستريحوا؟"، وهو التقرير الذي حذفته إدارة الموقع لاحقاً، بعد حالة من الهجوم عليه من رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

اتهامات التفرقة
فقد أثارت إصابة الفنانة المصرية رجاء الجداوي بفيروس كورونا عدداً من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد. ففي حين سادت حالة من التعاطف الشديد فور الإعلان الإصابة، وتمنيّات الشفاء، إلا أنّها غذّت أيضاً الاتهامات الموجّهة للنظام المصري بالتمييز بين المصابين والتعامل معهم. وتأجّج ذلك بسبب الجدل الذي كان قد أثاره سابقا استمرار تصوير مسلسلات رمضان، في ظلّ إجراءات الإغلاق والوقاية من الفيروس، بالإضافة إلى تزامن الخبر مع مطالب محقّة للأطباء، بحماية أكبر لهم، في ظلّ ارتفاع عدد الوفيات بينهم إثر انتقال العدوى.
هكذا تناول الإعلام المصري مطالب الأطباء الذين كانوا في الأمس القريب "جيش مصر الأبيض"، على الرغم من بدء استجابة الحكومة لمطالب الأطباء، الذين وصفتهم وزارة الصحة المصرية نفسها في آخر بيان لها بـ"خط الدفاع الأول في مواجهة فيروس كورونا الجديد، لجهودهم وما يبذلونه من تضحيات غالية لحماية شعب مصر العظيم". ففي أول استجابة لها بشأن مطالب الأطباء، أعلنت وزارة الصحة المصرية، في بيان رسمي، "متابعة توفير أقصى سبل الرعاية للأطقم الطبية طبقا لتوجيهات القيادة السياسية، وتخصيص دور بكل مستشفى عزل بسعة 20 سريرا للمصابين من الأطقم الطبية، وتوفير مخزون كاف من المستلزمات الوقائية بالمستشفيات".
وطبقًا لبيان الوزارة "فقد تم تسجيل إصابة 291 من الأطقم الطبية بمستشفيات الحميات والصدر والعزل، من بينهم 69 طبيبا وطبيبة، ووفاة 11 من الأطقم الطبية منذ بداية الجائحة". وأكد البيان، الصادر مساء الاثنين، توزيع كميات كبيرة من المستلزمات الوقائية على المستشفيات، فضلاً عن توافر مخزون كاف من المستلزمات الوقائية بالمستشفيات للتأكد من توافر الحماية اللازمة للأطقم الطبية.
وأشارت وزيرة الصحة والسكان هالة زايد إلى أن فرق الدعم النفسي بمستشفيات العزل تقوم بصورة دورية بتقديم كافة سبل الدعم للأطقم الطبية، سواء للعاملين أو المصابين، لافتة إلى أن مديري مدريات الشؤون الصحية بالمحافظات يقومون بالتواصل المباشر مع الأطقم الطبية من المصابين لتقديم كافة سبل الدعم لهم. كما وجهت وزيرة الصحة والسكان المصرية "الشكر لكافة الأطقم الطبية وأسرهم باعتبارهم خط الدفاع الأول في مواجهة فيروس كورونا المستجد"، مشيدة بجهودهم وبـ"ما يبذلونه من تضحيات غالية لحماية شعب مصر العظيم".

هجوم مستمر
مسار محاباة الإعلام المصري للنظام في مقابل الهجوم على الأطباء ومطالبهم المحقة، طويل. فالإعلام نفسه روّج لرفض رأس النظام الحاكم، عبد الفتاح السيسي، الاستماع لمطالب أطباء التكليف الجدد، البالغ عددهم قرابة 7 آلاف طبيب، معللًا رفضه الاستجابة لمناشدتهم بالتدخل لحل أزمتهم مع وزارة الصحة بقوله "مش وقته". حيث رد على مناشدة أطباء التكليف في مصر، خلال افتتاع عدد من المشروعات القومية، في 21 مايو/ أيار الجاري، بقوله "هناك جدل كبير حول تكليف الأطباء، وأنا أقول إن ده وقت التكاتف مع بلدكم مصر من أجل مواجهة الأزمة الحالية".
جاء هذا التصريح بعد تصاعد أزمة أطباء تكليف مارس/ آذار الماضي، الذين يرفضون التكليف على أساس النظام الجديد الذي طرحته وزارة الصحة والسكان المصرية، الذي يتضمن تكليف الأطباء في أحد التخصصات الطبية مع إلحاقهم ببرنامج الزمالة المصرية فور استلامهم التكليف، أو تكليف الطبيب "ممارس عام" بمستشفيات وزارة الصحة والسكان، طبقا لاحتياجات الوزارة فى إطار خطتها لمواجهة فيروس كورونا، وذلك لمدة عامين، على أن يتم السماح لمن يرغب بالتقدم للزمالة المصرية في مختلف التخصصات بعد عام من العمل الفعلي.
لكن المسارين قوبلا بالرفض من قبل أطباء تكليف مارس 2020، الذين أصدروا بيانًا للرد على الوزارة، مدعومين بنقابة الأطباء المصرية، أكدوا فيه "استمرارهم في الامتناع عن التسجيل في التكليف حتى يتضح الموقف بشكل كامل، من خلال تواصلهم مع وزارة الصحة والمسؤولين في الدولة، لنضمن أن مطلب دفعة أطباء مارس 2020 تم تحقيقه من عدمه"، بحسب بيان لهم.
وتعيد تلك الواقعة للأذهان مماطلة السيسي قبل نحو أربعة أعوام، في الاستجابة لمطالب الأطباء والصيادلة المصريين بزيادة بدل العدوى، والذي تقدر قيمته بـ19 جنيهًا (أكثر قليلًا من دولار أميركي واحد). وكان أمين عام نادي الصيادلة المصريين، الدكتور محمد مكاوي، قد ناشد السيسي خلال المؤتمر الوطني للشباب عام 2016، بزيادة بدل العدوى، لكن السيسي أجابه "ندرس جميع المطالب، لكن لازم نبص دلوقتي، ونشوف هل ينفع نستنى على حاجة أم لا. مصر في موقف صعب جدًا، وكل فئة من الفئات لها حق تعيش كويس، لكن مهم جدًا الآن ألا نستدعي أي شكل من أشكال الاحتجاج، لو كنا بالفعل حريصين على البلد".

وفي السياق ذاته، واصل الإعلام المرئي السير على الوتيرة نفسها من الهجوم على مطالب الأطباء، وحرص عدد من الإعلاميين المصريين على استضافة مسؤولين بارزين في وزارة الصحة المصرية، لتجميل وجه النظام، والتأكيد على عدم تقصيره.
وأجرى الإعلامي المصري الموالي للنظام، أحمد موسى، مكالمة هاتفية مع رئيس قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة المصرية، علاء عيد، للتعليق على أزمة الأطباء ووفاة طبيب مستشفى "المنيرة"، حيث اتهم زملاءه الأطباء بالتقاعس في إنقاذ حياته، وقال إن "الدكتور وليد يحيى، الذي توفي متأثرا بفيروس كورونا، كان يمكن معالجته في مستشفى المنيرة، ولكن زملاءه تقاعسوا ولم يُدخلوه الرعاية المركزة، وفضلوا نقله لمستشفى التأمين الصحي". بينما علّق أحمد موسى بأن "ضرب النظام الطبي ضمن خطة الحرب على مصر".
كما دخل الإعلامي المصري وائل الإبراشي على الخط نفسه، وقال خلال برنامجه "التاسعة"، المذاع على القناة الأولى المصرية: "إن الأطباء لا يمكن أن يتحولوا إلى ورقة سياسية في يد البعض؛ لأنهم يقومون بمهمة نبيلة، ومطالبهم مشروعة".