https://kataeb.org/thumbnaile/crop/800/465/2019/MichelAoun/Nasralla-Aoun.jpg

حزب الله والعونيون: إفلات الغرائز الطائفية بشيوخها ومطارنتها

by

تستمر لعبة الابتزاز بين القوى السياسية اللبنانية على اختلافاتها. هي تعلم أن لا شيء يحميها سوى شد العصب الطوائفي والمذهبي، وتكرار خطاب يدّعي التغيير ومكافحة فساد النظام الطائفي!

يطرح حزب الله التغيير الجذري لآلية سير منظومة الحكم الطائفي. التيار العوني يتحدث عن تعديل الدستور، والدولة المدنية، ولا يتخلى عن خطاب شد العصب الطائفي والمذهبي. إنها لعبة مفضوحة تستخدم في كل محطة ومنعطف أو استحقاق، وتسعى القوى السياسية الطائفية إلى تحقيق مكتسبات فيها.

وما يستخدم حالياً، سبق استخدامه مراراً. ومن أبرز الشواهد عليه: سلوك رئيس الجمهورية ميشال عون في خوضه معركته الرئاسية قبل انتخابه رئيساً. طرح عون معادلات كثيرة، منها الاستفتاء، ومنها الانتخاب المباشر للرئيس من الشعب. وطلب تغيير المجلس النيابي لأنه غير شرعي وغير دستوري، بسبب تمديد ولايته. وشن عون هجمات كثيرة على الحريرية السياسية، وطالب بتغيير الطائف. لكن بعد التوافق السياسي على انتخابه، ارتضى أن تنتخبه الحريرية التي يتهمها بالفساد، والمجلس النيابي الذي يعتبره غير قائم.

اللعبة نفسها يستخدمها جبران باسيل اليوم، السلاح نفسه والخطاب إياه. وعندما تتعارض طموحاته مع الواقع، يلجأ إلى ابتزاز الآخرين: سواء بالدعوة إلى الفيدرالية، أو بتصعيد لهجته ضد الفساد.

منطق الابتزاز الباسيلي مستمر. ووصل إلى الحديث عن حزب الله وسلاحه نتيجة التضارب في المصالح. وإذا ما توفر توافق سياسي على انتخاب باسيل رئيساً، تسقط هذه الاعتبارات كلها، ويعود باسيل إلى اللعبة التقليدية.

طائفي ضد الطائفية!
وفق هذه القاعدة يندرج موقف المفتي الجعفري أحمد قبلان، الذي ردّ على الطروحات الفيدرالية، فقال: "نؤكد أن أصل نشأة لبنان تم على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري. هذه الصيغة انتهت. وما قام به بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن، بل أيضا مرحلة وانتهت. وعليه، نصر بكل صرخة مدوية، أننا ولحماية البلد وكسر الوثنية السياسية، وتأكيد العيش المشترك، والسلم الأهلي فيه، مطالبون بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة مواطن، دولة لا طائفية، دولة إنسان، دولة بقانون يلحظ المواطن بما هو مواطن، فكفانا ترقيعا بهذا البلد، لأن البلد سقط، سقط لأن دستوره فاسد، وآلية الحكم فيه فاسدة، وطائفيته فاسدة، ومشروعه السياسي فاسد، وتسوياته المختلفة فاسدة".

كلام من هذا النوع، يقابل الابتزاز بابتزاز مثله. والأكيد أن لا أحد يملك مشروعاً تغييرياً. فحزب الله لا يريد أن يطرح صيغة جديدة في الوقت الحاضر، لكنه يستفيد من طروحات كالتي يعلنها رجال دين من بيئته، لا يبتعدون عنه ولا يتعارضون معه سياسياً.

في انتظار إيران
المرحلة الراهنة لتضييع الوقت وتقطيعه، في انتظار الانتخابات الأميركية. فلا إيران ذاهبة إلى مفاوضات وتقديم تنازلات لصالح ترامب الذي يُحكى عن تراجع شعبيته. وتراهن طهران على فوز الديموقراطيين للعودة إلى الاتفاق النووي. لذا لن تقدم تنازلات لترامب. المرحلة للصمود والصبر والتحمل. وهذه عبارات استخدمها نصر الله في إطلالته الأخيرة، وهي تنطوي على تقطيع الوقت بأقل الخسائر. ما يعني أن الوضع اللبناني لن يدخل في معارك حاسمة، بل سيحافظ على الستاتيكو القائم حالياً، في انتظار التطورات.

استراتيجياً، ليس من مصلحة حزب الله تغيير النظام. المثالثة قد تضعفه ولا تقويه. فصيغة "المواحدة" الراهنة تجعله الطرف الأقوى، والقوى السياسية كلها بحاجة إليه، وتعمل على تحسين العلاقة معه للحصول على الحظوة في السلطة واكتساب المواقع. لكن حزب الله يستخدم منطق المقربين منه، للتهويل على الآخرين الذين يبتزونه بالفيدرالية وغيرها. فيخرج قبلان ليقول: نريد تغيير النظام، ليخيف المسيحيين.
لعبة بلياردو
أعلن نصر الله أن حركة 17 تشرين هي العدو، وإسرائل تراهن عليها. و17 تشرين تدعو لتغيير النظام. ما يعني أن الحزب يريد العودة بالمعادلة إلى ما قبل 17 تشرين، وإحياء اللعبة الطائفية في أطر النظام الذي تتصارع فيه القوى الطائفية. ولا يمكن حماية هذا النظام إلا بإحياء المخاوف وإعادة الخطاب القديم، سواء لدى المسيحيين أو لدى الشيعة أو لدى السنّة الذين يبحثون عن حماية صلاحيات رئيس الحكومة. يؤدي هذا الخطاب إلى إعادة شد العصبيات المذهبية والطائفية: باسيل يتحدث عن المخاوف من السلاح وعن الفيدرالية وغيرها. السنّة يتحدثون عن الطائف وحمايته. وخطاب حزب الله يستدرج العصبية المسيحية.

في جانب منه، ينطوي خطاب قبلان على مبدأ إعادة الاعتبار للصيغة الطائفية. وهو يتلاقى مع توجهات مذهبية كثيرة. أبرزها إثارة مخاوف الأرثوذوكس، ونبش الخلافات والمخاوف الطائفية والمذهبية، وتكريس منطق حماية الحصص.
مصادرة 17 تشرين
أي مشروع يخرج من هذه الصيغ يهدد القوى السياسية كلها. لكن مركز قوة حزب الله في هذا الخطاب، يكمن في زرعه الخوف في نفوس الجماعة المؤيدة لخيار "الثورة"، ويهدف إلى مصادرة ثورة 17 تشرين، وجعلها في مكان آخر يوافق توجهات الحزب.

إنها لعبة تريد تهيئة الشيعة لاحتواء الانتفاضة وتوجيهها، وذلك بتضمين الموقف اعتراضات على الصيغة والإقطاع والمحاصصة والسياسات الماضية التي تكرست في التسعينيات. وهذا ما تجلى في جملة قبلان: "ليس مقبولاً ما يجري حالياً، لأن الجوع شامل، والإفقار والنهب يجري في العلن، واحتكار الأسواق أسوأ من حرب عالمية، واللعب بسعر الصرف أخطر من خيانة عظمى".

قاعدة هذا الكلام وهدفه معروفان وثابتان: حزب الله يسيطر بتأثيره على لبنان كله. أي تغيير في المنظومة لن يخدمه. وهو يريد لبنان كاملاً، وآخرين يتحالفون معه لينالوا حصتهم، فيما يمسك هو بأوراق اللعبة كلها.